الشوكاني

225

فتح القدير

والأمي في الأصل الذي لا يكتب ولا يقرأ المكتوب ، وكان غالب العرب كذلك ، وقد مضى بيان معنى الأمي في سورة البقرة ، ومعنى " منهم " من أنفسهم ومن جنسهم ومن جملتهم وما كان حي من أحياء العرب إلا ولرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيهم قرابة ، ووجه الامتنان بكونه منهم أن ذلك أقرب إلى الموافقة لأن الجنس أميل إلى جنسه وأقرب إليه ( يتلوا عليهم آياته ) يعني القرآن مع كونه أميا لا يقرأ ولا يكتب ولا تعلم ذلك من أحد ، والجملة صفة لرسولا ، وكذا قوله ( ويزكيهم ) قال ابن جريج ومقاتل : أي يطهرهم من دنس الكفر والذنوب ، وقال السدي : يأخذ زكاة أموالهم ، وقيل يجعلهم أزكياء القلوب بالإيمان ( ويعلمهم الكتاب والحكمة ) هذه صفة ثالثة لرسولا ، والمراد بالكتاب القرآن ، وبالحكمة السنة ، كذا قال الحسن . وقيل الكتاب الخط بالقلم ، والحكمة الفقه في الدين ، كذا قال مالك بن أنس ( وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) أي وإن كانوا من قبل بعثته فيهم في شرك وذهاب عن الحق ( وآخرين منهم ) معطوف على الأميين : أي بعث في الأميين ، وبعث في آخرين منهم ( لما يلحقوا بهم ) ذلك الوقت ، وسيلحقون بهم من بعد ، أو هو معطوف على المفعول الأول في يعلمهم ، أي ويعلم آخرين ، أو على مفعول يزكيهم : أي يزكيهم ويزكي آخرين منهم ، والمراد بالآخرين من جاب بعد الصحابة إلى يوم القيامة ، وقيل المراد بهم من أسلم من غير العرب . وقال عكرمة : هم التابعون . وقال مجاهد : هم الناس كلهم وكذا قال ابن زيد والسدي : وجملة ( لما يلحقوا بهم ) صفة لآخرين ، والضمير في منهم ولهم راجع إلى الأميين ، وهذا يؤيد أن المراد بالآخرين هم من يأتي بعد الصحابة من العرب خاصة إلى يوم القيامة ، وهو صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان مرسلا إلى جميع الثقلين ، فتخصيص العرب ها هنا لقصد الامتنان عليهم ، وذلك لا ينافي عموم الرسالة ، ويجوز أن يراد بالآخرين العجم لأنهم وإن لم يكونوا من العرب ، فقد صاروا بالإسلام منهم والمسلمون كلهم من أمة واحدة ، وإن اختلفت أجناسهم ( وهو العزيز الحكيم ) أي بليغ العزة والحكمة ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم ذكره . وقال الكلبي : يعني الإسلام . وقال قتادة : يعني الوحي والنبوة . وقيل إلحاق العجم بالعرب ، وهو مبتدأ وخبره ( فضل الله يؤتيه من يشاء ) أي يعطيه من يشاء من عباده ( والله ذو الفضل العظيم ) الذي لا يساويه فضل ولا يدانيه ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها ) ضرب سبحانه لليهود الذين تركوا العمل بالتوراة مثلا فقال ( مثل الذين حملوا التوراة ) أي كلفوا القيام بها والعمل بما فيها ( ثم لم يحملوها ) أي لم يعملوا بموجبها ولا أطاعوا ما أمروا به فيها ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) هي جمع سفر وهو الكتاب الكبير لأنه يسفر عن المعنى إذا قرئ . قال ميمون بن مهران : الحمار لا يدري أسفر على ظهره أم زبل ؟ فهكذا اليهود . وقال الجرجاني : هو يعني حملوا من الحمالة بمعنى الكفالة : أي ضمنوا أحكام التوراة ، وقوله : يحمل في محل نصب على الحال ، أو صفة للحمار إذ ليس المراد به حمارا معينا ، فهو في حكم النكرة كما في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثم وقلت لا يعنيني * ( بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ) أي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله ، على أن التمييز محذوف ، والفاعل المفسر به مضمر ، ومثل القوم هو المخصوص بالذم ، أو مثل القوم فاعل بئس ، والمخصوص بالذم الموصول بعده على حذف مضاف : أي مثل الذين كذبوا ، ويجوز أن يكون الموصول صفة للقوم ، فيكون في محل جر ، والمخصوص بالذم محذوف ، والتقدير : بئس مثل القوم المكذبين مثل هؤلاء ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) يعني على العموم ، فيدخل فيهم اليهود دخولا أوليا ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله